السيد محمد تقي المدرسي

41

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

ففي البدء ؛ يفرق بين الخلق والكسب ، فيقول : الخلق يتم بقدرة قديمة هي قدرة الله ، بينما الكسب يتم بقدرة متجددة ، هي من العبد ، ويقول : الأفعال من خلق الله ، ولكنها من كسب العبد . وإذا سألت الأشعري عن الفرق بين الخلق والكسب وكيف يمكن أن ينسب الفعل إلى الله ، وإلى العبد مرة واحدة وما هو الفرق بين الفعل الاضطراري ، كالوقوع من السطح وبين الفعل الاختياري ماداما مخلوقين معاً لله ، وبذات الطريقة الواحدة ، أقول : إذا سألته ، فإنه يقول : " إن الإنسان يدرك بالبديهة الفرق بينهما " « 1 » . ونحن نقول : وبالبديهة أيضاً يعرف الإنسان أنه مسؤول عن أفعاله ، وأن أفعاله منه ، وأنه ليس من العدل أن يفعل الله شيئاً ثم ينسبه إلى العبد ويعذبه عليه . موقف الأشعري من الصفات الإلهية ويبرز هذا التناقض أيضاً في موقف الأشعري من الصفات الإلهية ، فلقد أراد الأشعري أن يجمع بين موقف العقليين من أسلافه المعتزلة ، وبين تيار أهل الحديث . فبينما ذهب المعتزلة إلى أن الصفات الإلهية عين ذات الله ، وقال أهل الحديث : إنها متميزة عن ذات الله ، ترى الأشعري يقول : لا هذا صحيح ولا ذاك ، بل الصفات أزلية قائمة في ذات الله ، لأنه إذا كانت غير ذات الله ، أوجب ذلك القول بتعدد الآلهة ، ولو كانت عين ذات الله لكان من الصحيح أن نوجه دعاءنا إلى الصفات ، فبدل أن نقول : يا عليم يا قدير يا حيّ ، نقول : مثلًا : يا علم ، يا قدرة ، يا حياة ، ولأن هذا لا يجوز ، فإن القول بذاتية الصفات هو الآخر لا يجوز « 2 » . وإذا سألته عن الفرق بين القول بأن الصفات قائمة في ذات الله ، والقول بأنها متميزة ، حار في الجواب ، وربما قال لك : الفرق يعرف بالبديهة ! وعليه ؛ فقد كان من الأفضل أن يسكت عن البحث في ذات الله ، ولا يسلم بقدرة القياس على الكشف عن ذاته سبحانه وتعالى ، حتى لا يقع في التناقض .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 288 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 285 .